الجصاص
370
أحكام القرآن
أنكثه وأن لي حمر النعم " . وقد كان حلف المطيبين بين قريش على أن يدفعوا عن الحرم من أراد انتهاك حرمته بالقتال فيه . وأما قوله : " وما كان في الجاهلية فلم يزده الاسلام إلا شدة " فهو نحو حلف المطيبين وحلف الفضول ، وكل ما يلزم الوفاء به من المعاقدة دون ما كان منه معصية لا تجوزه الشريعة . والعقد في اللغة هو الشد ، تقول : عقدت الحبل ، إذا شددته . واليمين على المستقبل تسمى عقدا ، قال الله تعالى : ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ) [ المائدة : 89 ] ، والحلف يسمى عقدا ، مع قال الله تعالى : ( والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ) [ النساء : 33 ] . وقال أبو عبيدة في قوله : ( أوفوا بالعقود ) قال : " هي العهود والأيمان " . وروي عن جابر في قوله : ( أوفوا بالعقود ) قال : " هي عقدة النكاح والبيع والحلف والعهد " ، وزاد زيد بن أسلم من قبله : " وعقد الشركة وعقد اليمين " . وروى وكيع عن موسى بن عبيدة عن أخيه عبد الله بن عبيدة قال : " العقود ستة : عقد الأيمان ، وعقد النكاح ، وعقدة العهد ، وعقدة الشرى والبيع ، وعقدة الحلف " . وقال أبو بكر : العقد ما يعقده العاقد على أمر يفعله هو أو يعقد على غيره فعله على وجه إلزامه إياه ، لأن العقد إذا كان في أصل اللغة الشد ثم نقل إلى الأيمان والعقود عقود المبايعات ونحوها ، فإنما أريد به إلزام الوفاء بما ذكره وإيجابه عليه ، وهذا إنما يتناول منه ما كان منتظرا مراعى في المستقبل من الأوقات ، فيسمى البيع والنكاح والإجارة وسائر عقود المعاوضات عقودا لأن كل واحد منهما قد ألزم نفسه التمام عليه والوفاء به ، وسمي اليمين على المستقبل عقدا لأن الحالف قد ألزم نفسه الوفاء بما حلف عليه من فعل أو ترك ، والشركة والمضاربة ونحوها تسمى أيضا عقودا لما وصفنا من اقتضائه الوفاء بما شرطه على كل واحد من الربح والعمل لصاحبه وألزمه نفسه ، وكذلك العهد والأمان لأن معطيها قد ألزم نفسه الوفاء بها ، وكذلك كل شرط شرطه انسان على نفسه في شئ يفعله في المستقبل فهو عقد ، وكذلك النذور وإيجاب القرب وما جرى مجرى ذلك . وما لا تعلق له بمعنى في المستقبل ينتظر وقوعه وإنما هو على شئ ماض قد وقع فإنه لا يسمى عقدا ، ألا ترى أن من طلق امرأته فإنه لا يسمى طلاقه عقدا ؟ ولو قال لها : " إذا دخلت الدار فأنت طالق " كان ذلك عقدا ليمين ؟ ولو قال : " والله لقد دخلت الدار أمس " لم يكن عاقدا لشئ ؟ ولو قال : " لأدخلنها غدا " كان عاقدا ؟ ويدلك على ذلك أنه لا يصح إيجابه في الماضي ويصح في المستقبل لو قال : " علي أن أدخل الدار أمس " كان لغوا من الكلام مستحيلا ، ولو قال : " علي أن أدخلها غدا " كان إيجابا مفعولا ،